صديقي الراحل

4 يوليو 2017

ثم ترحل ؛ فتغيب الشمس .. و تنطفىء ضحكاتك المشرقةثم ترحل.. و يتغير لون رمضان حين يخلو من صوتك حين تسأل عن موعد الآذان.. 

ثم ترحل.. و يضيع اسمي “مُها” في غيابة الجب 

ثم ترحل.. بعد أن التحمتَ في قلوبنا و الآن و قد رحلت بُتِرَت قطعة كبيرة منا فدلنا كيف نسد فداحة غيابك! 

و تظن أنك لا تحدث ضوضاء وجودية و أنك تتوسد بساطة الحياة بينما الواقع أنك كنت متمركزاً في أعماقنا. 

و تظن أنك لا تُرى لأنك ترتدي الهدوء و تظن أن الحفل دائمًا يكتمل دونك؟

كنت حتمًا مخطئًا.. فلا اجتماع يحيا دون ضحكاتك المرحة  

أتمنى أن تسامحني على قصوري فلم أؤدي ذرة من حقك

رحمك الله جدي العزيز ، و صديقي المرح ، و مستشار الفنون ، و المحلل السياسي. 

اللهم ارحمه و اغفر له و اعفُ عنه و تولاه برعايتك و رحمتك و نقّه من الذنوب و الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس و اسكنه الفردوس الأعلى بغير حساب و احشره مع الأنبياء و الصديقين و الشهداء 
٢٦ مايو ٢٠١٧

نافذة

17 أبريل 2017

لا أستطيع التوقف الآن. أبحث عن نافذة. ليست أي نافذة. أريد نافذة أستطيع الاتكاء عليها ثم التدلي منها استعدادًا للقفز. لا أخطط للانتحار. أريد شيئًا يتسع لأجنحتي. قد أتعرض لحادث صغير لكن المهم أن أبقى على قيد الحياة حتى أعلم أطفالي فيما بعد الطريقة المثلى للقفز من النوافذ. يكمن السر في تلميع زجاج النافذة على الدوام تجنبًا لفضلات الطيور العابرة و لذرات الغبار العالقة لتتضح الرؤية من خلال ذلك الزجاج. إن حدث و سقطت لن تتكسر عظامي، بل سيُكسر شيء ما في هيكل روحي. أشتري النبات الطبيعي و أضعه خارج نافذتي لأنمو معه. لا أحاول الهرب. أبحث عن نافذة مثالية ، آمنة و قابلة للقفز من خلالها.

١٧ ابريل ٢٠١٤

منيرة

13 أبريل 2017

سامحي هدرنا للعمر دون أن نرى بَعضنا كبارًا. سامحي العمر حين انسكب دفعة واحدة كذرات الساعة الرملية. كنتِ زميلتي في الابتدائية. لم نكن مقربتين. بالكاد أذكر ملامحكِ.. لكن لماذا ينتابني البكاء يا منيرة؟ ربما لأنني بنيتُ قصرًا من الأمل لرؤيتك بعد أن علمتُ عن صداقة شقيقتينا، و أخذتني الحياة يا منيرة و أخذكِ الموت. 
سامحي الموت يا منيرة 

سامحي الوقت و ركض السنوات

سامحي المرض و الألم

سامحي شبابك

سامحيني أنا

كبرت يا منيرة و أنتِ مازلتِ تلك الطفلة الصغيرة ذات الجديلتين في مخيلتي
اللهم ارحمها و أسكنها فردوسك الأعلى مع الأنبياء و الشهداء و الصديقين.. اللهم نقها من الذنوب و الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس. اللهم إنها غدت ضيفة عندك و أنت أكرم الأكرمين.. فأكرم نزلها و وسع مدخلها..
١٣ ابريل ٢٠١٧

امرأة خارقة

18 يناير 2017

لدي قلب هش و أحمل الكثير على سطحه و على رأسي. تتأرجح الأرض أسفل قدميّ و أتظاهر باللامبالاة. حكمت الأقدار على النساء أن يكن خارقات شئن أم أبين؛ لذلك أنام بسهولة بعد يوم حافل. هناك طفلة حبيسة في روحي تتعجب من تظاهري بالقوة و الإمساك بزمام الأمور بينما أكبر أمنياتها أن تنفجر باكية. دللتني أمي كثيرًا و لم تمهد لي أنني سأصبح يومًا امرأة خارقة.

١٧ يناير ٢٠١٧ 

دافئ رغم البرد

10 يناير 2017

أعيش على ضفة نهر يسمى “أنت” أنهل من عذوبته كل يوم ، و أنام على وقع خريره. 

يحدث أن أتجرد من كل شيء لتغمرني مياهك و أضع زلاتي و عثراتي على أطرافك، و عندما أنهي استحمامي أنسى ارتداء أخطائي فيجذبها تيارك و يخفيها لأنام بخفة. خريرك عالٍ جدًا و حنون جدًا. لا يشبه النهر الذي جئتُ منه. جئتُ من نهرٍ بارد أثناء أغنية شتوية في ديسمبر، كانت دموعي حينها مجمدة على وجنتي. و حين غمرتُ نفسي بمياهك كُنتَ لي وشاحًا رغم البلل و قنديلاً رغم الظلام. أنت تبتلع كل شيء. الأخطاء و الدموع و الكلمات ولا تعطي إلا الدفء رغم بللك. 

٢٩ سبتمبر ٢٠١٦ 

مها

Snowpiercer 

9 يناير 2017

في ذلك الفيلم ينهار شيء ما بداخلي حين ينهار البطل باكيًا تفتته الخيبة ، تُسحق زهرة إيمانه التي تمتد جذورها إلى أعمق نقطة في كيانه. يتزعزع إيمانه المرصع بالكمال و اليقين و الثبات حين يعرف أن من يؤمن به لا يمثل الصورة المثالية التي يعتنقها عنه و أنه أفنى عمره مؤمنًا برجل ليس هو ما يدّعيه. ينهار الرجل في نوبة بكاء هستيرية تشبه انهيار الكواكب في ساحة الفضاء اللامحدودة ، حين يذوب الجوهر و المعنى و يبقى اللاشيء. أراهن أنه شعور موجع حد الموت. 

٥ أكتوبر ٢٠١٥

مها

حين كنا صغارًا و متلهفين لمشاهدة السماء العظيمة اللامحدودة ، ثقبوا لنا ثقبًا صغيرًا في سقف غرفتنا و أمرونا أن نختلس النظر كل يوم من خلاله. أضحينا نفعل ذلك مراراً و تكرارًا حتى ترسخت لدينا قناعة بأن السماء بحجم حبة الفستق كما يقولون: صغيرة و مملة و مدروسة الأبعاد. بهت ولعنا بمراقبة السماء حتى جاء ذلك اليوم الذي أمطرت فيه بغزارة مما أثر على الثقب الصغير في السقف و جعله يتسع أكثر فأكثر حتى بدأ السقف بالتهاوي ، ثم ظهرت السماء… زرقاء ، شاسعة ، شامخة ، لا تعرف الحدود ؛ حينها ارتعشت أرواحنا و نبضت عقولنا و ضُخّت الدهشة في أوردتنا و علا صوت أسئلتنا و طغا صمتهم. كنا نستغفر الله حين نكتشف جهلنا كل يوم ظننا فيه أننا نعرف كل شيء و كنا نتأمل السماء ولا يسكن هذا الظمأ بل يتفاقم. قد نبكي أحيانًا حين نطيل تأملها و لا نعرف السبب لكن جل ما تيقنا منه أننا خُدعنا. ثمة بحور و محيطات غير مرئية يتوجب علينا اجتيازها للوصول إلى السماء و كل بحر لا ينتهي بل يتسع. لكن في كل اتساع و تأخير يكبر شيء بداخلنا يهون ثقل تأخرنا في الوصول و يمنحنا سعادة رضا غريبة. كانوا يظنون أنهم يستطيعون حجب صوت الله عنا من خلال ذلك السقف الحاجز لكننا أصبحنا نسمع صوت الله في كل مكان ، في كل ركن من أركان الكون ، أصبحنا نسمع صوت الله بشموليته و لا نهايته ليس كما أرادونا أن نسمعه. حينها أدركنا كم كنا نسيء الظن بالله و بكل الأشياء الجميلة في الحياة حين ظننا أنها بحجم حبة الفستق. 

٣ يونيو ٢٠١٥

و تنخلك السنوات بشدة بكل ما يعلق فيك من أمنيات و أحلام و أشخاص ، و لا يتبقى إلا من أحبك صدقًا… و لا يتبقى إلا  حلمًا مدببًا واحدًا لا ينفد من منخل الحياة. 

كل عام و أنا بخير. 

١٤ ديسمبر ٢٠١٦ 

على الأريكة

28 أغسطس 2014

the_red_couch_by_chrisbonney

 

 

(1)

قضى ليلته منهكًا مسمرًا أمام شاشة الجهاز المحمول في غرفة المكتب لينهي عمله المتبقي ثم تثاءب بشدة و أدرك أنه على وشك توسد لوحة المفاتيح لينام من فرط التعب ؛ فتوجه إلى غرفة المعيشة و استلقى على الأريكة بقوة كناطحة سحاب منهارة غارقًا في نوم عميق.

(2)

استيقظ في صباح اليوم التالي مغادرًا إلى عمله. ودعته زوجته بقبلة حميمة و توجهت بدورها إلى الأريكة و جلست بحماسة ممزوجة بدفء مشاعرها تطالع ألبوم صور للعائلة كانت قد وجدته مصادفة. كانت تتنقل بحب بين الصور بينما تتحسس المقعد الخالي بجانبها و تبتسم.

(3)

دق جرس الباب ففتحت الزوجة و ظهرت جارتها الثرثارة السمينة التي ما لبثت أن دعت نفسها إلى الداخل و جلست بكل قوتها فاهتزت الأريكة بعض الشيء. أقبل الابن الصغير راكضًا إلى حجر أمه و هو يحمل كوبًا من حليب الشوكولا الذي ما لبث أن سكبه على حجر الجارة. استاءت الجارة و غادرت و شرعت الأم في تنظيف الأريكة ضاحكة.

(4)

بعد مضي بضع ساعات ، أقبل الابن الأكبر ذو العشرين ربيعًا برفقة أصدقاءه جالبين أربعة من صناديق البيتزا الشهية الساخنة و احتلوا الأريكة المريحة. كانوا يشاهدون فيلم خيال علمي و أعينهم تتوهج من الدهشة فاغري أفواههم العالق في جوانبها خيوط من الجبن الذائب. سُكِبت عدة قطرات من الكولا على وسائد الأريكة التي تقاذفوها بمرح أكثر من مرة حتى جاء موعد ذهابهم جميعًا إلى النادي الرياضي.

(5)

بعد مضي ساعتين ، أقبل الجد بظهره المنحني و خطواته البطيئة التي يكاد ينفد منها وقود الحياة و جلس على الأريكة باذلًا جهدًا عظيمًا. نظر حوله إلى غرفة المعيشة ثم تنفس بعمق ، ثم أخرج طقم أسنانه من العلبة البلاستيكية و وضعه في فمه. حاول أن يعاين الطعم الذي شعر به في فمه مصدرًا أصواتًا نتاجها فتح الفم و إغلاقه. أخرج نظارته الطبية من جيب قميصه و ارتداها. شرع يتأمل غرفة المعيشة ثانية و كأنه ضيف يحل للمرة الأولى حتى أقبلت الأم و هي تحمل له كوب شاي دافىء و علبة سكر الحمية. ابتسم لها شاكرًا و اتكأ بظهره على وسادة الأريكة حاملاً كوب الشاي متسائلاً إن كان سيقضي يومًا آخر غدًا على الأريكة.

(6)

حل منتصف الليل ، أقبلت الفتاة ذات الثلاثة و عشرين ربيعًا و استلقت على الأريكة متصفحة الانترنت عبر هاتفها الخلوي. كانت تنظر إلى الشاشة بحياد حتى نمت ابتسامة عملاقة من جذور شفتيها. كانت تحادث حبيبها و هالة من السكون و اللهفة تغلفها. لم تكن تشعر بالوقت. كانت تشعر بفيضانات من المشاعر التي تسيل من عينيها و من صدرها و تبلل مقاعد الأريكة. استلقت على جنبها و وجنتها المشدودة بفعل الابتسامات العريضة قد التقت بذراع الأريكة ثم شرعت تطلق ضحكات خافتة و هي تتحدث. كانت تشعر أنها تستلقي على سحابة و ليس على أريكة.

(7)

رجع الأب إلى منزله مرهقًا فجرًا و وجد الأريكة خالية فآثر الذهاب إلى النوم في غرفته. أطبق الصمت على المكان ثم اتكأ الهدوء على الأريكة الوحيدة الخالية.

 

مها

7 أغسطس 2014

يمتلئ قلبك بشخص حقيقي ثم يحدث التالي:

حين تستيقظ من النوم تنظر إلى النافذة المشرعة التي تسرب خيوط أشعة الشمس بدلاً من النظر إلى الكرسي الهزاز الخالي بجوار سريرك. و حين تتناول طعام الإفطار تجتاحك أفكار واقعية عن تنوع الأطعمة و تنوع طقوس الإفطار حول العالم. و إن حدث و غضبت من أحدهم في العمل فإنك تنتقم -ذهنيًا- بمفردك بتخيل الجاني في أوضاع مقززة و مضحكة و تشارك نفسك الضحك باكتفاء. ثم تشعر أنك صديق نفسك و قد تشعر بالخوف قليلًا إن كنت قد اعتدت معاداة نفسك لكونك ملك أو ملكة دراما عظيمة بيد أنك تسترخي في النهاية و تتابع تأمل الحياة بمفردك. و حين تستلقي على الأريكة لتتابع فيلمًا يحدث أن تعامل الأريكة أنها لك وحدك دون أن تفسح مكانًا لشخص آخر. و الأهم من ذلك أن يشغل الشخص الحقيقي تفكيرك ؛ فتتمكن من رؤية الشقوق في الجدران و من رؤية البقع في السقف ، و تشرع في التفكير منطقيًا بمشاريع المستقبل حتى إن لم يكن لديك خطط واضحة. أثناء تأملك للأشياء الحقيقية حولك ، تلمح الباب الخلفي لمنزلك قد ترِكَ مفتوحًا ، فتدرك أن أحدهم قد خرج و لم يعد حتى الآن. يجتاحك خوفٌ ما.. بيد أنك تغلق الباب و تذهب.

مها

19 فبراير 2014