على الأريكة

28 أغسطس 2014

the_red_couch_by_chrisbonney

 

 

(1)

قضى ليلته منهكًا مسمرًا أمام شاشة الجهاز المحمول في غرفة المكتب لينهي عمله المتبقي ثم تثاءب بشدة و أدرك أنه على وشك توسد لوحة المفاتيح لينام من فرط التعب ؛ فتوجه إلى غرفة المعيشة و استلقى على الأريكة بقوة كناطحة سحاب منهارة غارقًا في نوم عميق.

(2)

استيقظ في صباح اليوم التالي مغادرًا إلى عمله. ودعته زوجته بقبلة حميمة و توجهت بدورها إلى الأريكة و جلست بحماسة ممزوجة بدفء مشاعرها تطالع ألبوم صور للعائلة كانت قد وجدته مصادفة. كانت تتنقل بحب بين الصور بينما تتحسس المقعد الخالي بجانبها و تبتسم.

(3)

دق جرس الباب ففتحت الزوجة و ظهرت جارتها الثرثارة السمينة التي ما لبثت أن دعت نفسها إلى الداخل و جلست بكل قوتها فاهتزت الأريكة بعض الشيء. أقبل الابن الصغير راكضًا إلى حجر أمه و هو يحمل كوبًا من حليب الشوكولا الذي ما لبث أن سكبه على حجر الجارة. استاءت الجارة و غادرت و شرعت الأم في تنظيف الأريكة ضاحكة.

(4)

بعد مضي بضع ساعات ، أقبل الابن الأكبر ذو العشرين ربيعًا برفقة أصدقاءه جالبين أربعة من صناديق البيتزا الشهية الساخنة و احتلوا الأريكة المريحة. كانوا يشاهدون فيلم خيال علمي و أعينهم تتوهج من الدهشة فاغري أفواههم العالق في جوانبها خيوط من الجبن الذائب. سُكِبت عدة قطرات من الكولا على وسائد الأريكة التي تقاذفوها بمرح أكثر من مرة حتى جاء موعد ذهابهم جميعًا إلى النادي الرياضي.

(5)

بعد مضي ساعتين ، أقبل الجد بظهره المنحني و خطواته البطيئة التي يكاد ينفد منها وقود الحياة و جلس على الأريكة باذلًا جهدًا عظيمًا. نظر حوله إلى غرفة المعيشة ثم تنفس بعمق ، ثم أخرج طقم أسنانه من العلبة البلاستيكية و وضعه في فمه. حاول أن يعاين الطعم الذي شعر به في فمه مصدرًا أصواتًا نتاجها فتح الفم و إغلاقه. أخرج نظارته الطبية من جيب قميصه و ارتداها. شرع يتأمل غرفة المعيشة ثانية و كأنه ضيف يحل للمرة الأولى حتى أقبلت الأم و هي تحمل له كوب شاي دافىء و علبة سكر الحمية. ابتسم لها شاكرًا و اتكأ بظهره على وسادة الأريكة حاملاً كوب الشاي متسائلاً إن كان سيقضي يومًا آخر غدًا على الأريكة.

(6)

حل منتصف الليل ، أقبلت الفتاة ذات الثلاثة و عشرين ربيعًا و استلقت على الأريكة متصفحة الانترنت عبر هاتفها الخلوي. كانت تنظر إلى الشاشة بحياد حتى نمت ابتسامة عملاقة من جذور شفتيها. كانت تحادث حبيبها و هالة من السكون و اللهفة تغلفها. لم تكن تشعر بالوقت. كانت تشعر بفيضانات من المشاعر التي تسيل من عينيها و من صدرها و تبلل مقاعد الأريكة. استلقت على جنبها و وجنتها المشدودة بفعل الابتسامات العريضة قد التقت بذراع الأريكة ثم شرعت تطلق ضحكات خافتة و هي تتحدث. كانت تشعر أنها تستلقي على سحابة و ليس على أريكة.

(7)

رجع الأب إلى منزله مرهقًا فجرًا و وجد الأريكة خالية فآثر الذهاب إلى النوم في غرفته. أطبق الصمت على المكان ثم اتكأ الهدوء على الأريكة الوحيدة الخالية.

 

مها

7 أغسطس 2014

 

أصغِ إليّ.. و استمع لكل حرف سأقوله لك يا صديقي.. و بينما تصغي إليّ توقف عن مضغ الحلوى التي يتم تذويبها فوق لسانك و ركز انتباهك إلى نبضات قلبي.. دعني أخلع معطفي قبل أن أشرع في كلامي.. أتقيمون في حمام ساونا و ما شابه؟ ثم.. لحظة واحدة.. دعني أفهم ذلك جيدًا.. ما الذي تفعله صورة الجد العاشر على جدار غرفة المعيشة؟ أتعرفونه؟ أكان صديقًا حميمًا يقضي أيام العطلة الأسبوعية برفقتكم؟ عفوًا.. لا أريد لوجهك أن يتغير هكذا ولا أقصد الإهانة إطلاقًا.. كل ما قصدته هو أن أفهم نوعية الدافع الذي يحفزكم على تأمل صورة رجل مغترب زمنيًا و قريب بيولوجيًا. أهي محاولة منكم للسفر عبر الزمن و التمرغ ببركات ذلك العصر الدافئ؟ أهو الحب؟ أهي الذكريات؟ ما الذي يدور في تلك المغارة التي تسمى صدر الإنسان؟ اعذرني ثرثرتُ بلا توقف.. ماذا كنا نقول؟ آه صحيح.. كنتُ أطلب منك الإصغاء لما سأقول.. قبل أن أشرع في الكلام هل لي بكوب قهوة مع الحليب من فضلك؟ لا أخفيك علمًا أن للحديث طقوسًا و متعة لا يضاهيها شيء لاسيما حين تهدأ الروح و يشرب الجسد.. سأنتظرك على هذه الأريكة ريثما تعد قهوتي.. من هي تلك الصغيرة التي تختبئ خلف الباب؟ أهي ابنتك؟ يا إلهي! تعالي هنا يا صغيرة.. دعيني أراكِ جيدًا.. لماذا تبدو هكذا؟ لا تشبهك أبدًا.. لابد أنها تشبه والدتها.. عيناها الجاحظتان تقولان ذلك.. أنتِ طفلة رائعة.. اذهبي الآن.. انتظر! على رسلك! أتعلم أين كنت قبل أن أزورك؟ حاول أن تخمن و لن تستطيع! لقد ابتعت منزلاً كبيرًا و جميلًا.. لدينا حديقة في الباحة الخلفية و حمام سباحة صغير و لطيف.. حري بك زيارتنا يومًا ما مع عائلتك ، و سنقضي وقتًا رائعًا في الحديث عن التجارب التي عايشتُها على مدى الخمسين عامًا المنصرمة.. أشعر أنني بحرٌ متأججٌ بالدروس و الخبرات و أريدكم أن تنهلوا مني قدر ما تستطيعون.. فضلاً عن أنني زرتك اليوم لأحدثك عن الحياة.. لأشعل لك قناديلًا في مئة شارع مختلف.. لأنتف من ريش أجنحتي و أقوّي به متانة أجنحتك.. أترى كم يهمني أمرك؟ بحق الرب!! أتعلم كم هي الساعة؟ لقد تأخرت على موعد الطبيب.. ألا يزعجك كيف ينفد الوقت بهذه السرعة؟! إنها الحياة.. إلى اللقاء يا صديقي.. سأراك قريبًا.. اشرب القهوة بدلاً مني..

مها

7 يوليو 2013

مونولوج قديس مشوش

24 نوفمبر 2012

 

(1)

أنا حزينٌ.. أنا جزءٌ آخر من كينونتي.. أقع في أقصى الجانب المظلم من أنفاسي.. انظر خارطة روحي.. ها أنا.. أشغل الجرح العلوي من قامة قلبي الرشيقة.. أفتعلُ الذنوب كثيرًا ، و أبكي كثيرًا كالحمقى ، أشاهد عروض النيران المسلية فأمد إصبعي لألمسها ثم أتألم و أهرب إلى حضن أمي و شيءٌ من الحماسة و اللذة يشتعل بداخلي و أنا أراقبها من بعيد. لهيبها يلون السماء ، تصبغ أعين الناس بالنشوة ، تسحرهم بخطورتها حتى تكاد أن تنضج قلوبهم بفعل حرارتها.

أنا حزينٌ.. كما يحزن القوم الصالحون.. أطأطئ و أخبئ رأسي في جحر جرحي ، أو أحاول التنقيب في رحم أمي لعله يتسع لي بعض الشيء ثم أتذكر أنني الجزء الآخر من كينونتي ، ذلك الجزء الذي يضحك إذا تذكر ذنوبه ؛ فأترك لروحي فسحة التجول في دهاليز نفسي البشرية المشوشة. أتفقد سجلات ذنوبي ، و مسبحتي المصنوعة من الأحجار الكريمة ، و وجهي الصالح ، و تمتمات المارة و تبجيلهم لرهبانيتي المكذوبة ؛ فأضحك ثم أبكي… لالتباس الأمر على كلينا.. أنا و هم.

(2)

لم يعلموا أن القديسين يستمتعون حد الموت بعذب الكلام و لذيذه كما يتحرقون شوقًا لاستهلاك شفاههم في قبل محمومة تسافر بهم نحو مراحل لذة مختلفة و عميقة و عظيمة. يقدّس القديسون التعري كما يبجلون الزهد في كل شيء… باستثناء الحب! في الحب هم لا يزهدون. في الحب هم مخلصون ، مطيعون ، يكرّسون طاقاتهم النورانية في منح المحبوب أسمى أنواع القبل ، و يضاجعون على فراش التقوى بعطاء غير محدود ، يحمدون ربهم مع كل قبلة تمطر على جباههم ، يصلون لأجل القلب الذي ينبض لأجلهم ، و تسيل دموعهم أحيانًا حين يصاب القلب بتُخمة لذة. هذا هو الجانب المظلم للقدسية ، هو الجانب البشري للأغلفة الملائكية البلاستيكية ، هي الحقيقة الكامنة وراء البهرجة المقدسة. القديسون يتعرقون ، يتبولون ، يجتهدون ، يخطئون ، يعشقون ، يتعلمون ، يكتئبون ، يثورون ، يحترقون.

(3)

أنا قديسٌ متواضعٌ يحب دغدغة زوايا دماغه بلعب الشطرنج بعد أن يفرغ من غسل روحه بنور ربه تعالى ، بعد أن تحمل السحب صوته إلى مولاه و تكون فحوى المناجاة: شكوى للخالق لما ألقاه من مغالاة في تعظيم قدري ، و تنزيهي عن السفاسف و اللا مبالاة ، و أنا بشرٌ نسيج روحي مصنوعٌ من صوف الخطايا. يتناهى سمعي باحترافية عالية إلى صوت كعبها العالي و هي تسبر الأرض بأنوثة وافرة ، أرى شكل الخاتم النيلي الذي يعتلي إصبعها حين تتحدث و تحرك كفها بعفوية و هي تقول لي: أيها الرجل الصالح ، ألا تدلني على مكان لقاء الأخوات الأسبوعي؟

(4)

و مع ذلك أنا ما زلت حزينًا ؛ لأنني جانبٌ مقدسٌ مظلمٌ مفطورٌ على الاختباء ، لا يصح له الظهور علنًا أمام العامة. لا أدري لِمَ أنا حزين.. أهو بسبب تحطيم أصنام تبجيلي أمام الناس؟ أم بسبب إفصاحي عن خوالجي الغريزية البشرية كبشر مقدس؟! أنا قديسٌ مسكين.. لا أعرف عن تعقيدات الحياة شيئًا سوى حب الناس لنفخي كالبالون تضخيمًا لحجمي الصغير المتواضع الذي لا يرجو شيئًا سوى رضا الله و العيش بسلام و عزلة و طمأنينة ، و الذي يتطلع إلى سرقة القبل خلسة.. صباحًا و مساءً..!

18 أكتوبر 2012

مهـــا

بوابة زمنية

7 أبريل 2012

tumblr_lnk8nverM61qcm1pfo1_r1_500

لماذا نحترم قوانين الوقت و نقرنها بالكتابة؟

أعياد الميلاد ، أعياد الزواج ، ذكرى الحروب و النكبات ، ساعات الفجر الأولى مع أول قطرة قهوة ، لحظاتُ الإلهام إثر منظر طبيعي فاتن. تلك الدقائق المحمومة التي نهرع بعدها للكتابة..

الليلة ، سأتمرد على الوقت!

و سأدّعي الطفولة ، و سأعبث بخيوط الزمن بهمجية ، و سألطخ نفسي بمحبرتي كالمجانين ، و سأخربش حبك على جدران ذاكرتي و طرف لساني يتدلى من ثغري كطفلة منهمكة في إتقان صنعة! الليلة ، سأتمرد على الوقت ، و سأكتب ما لا تستدعيه اللحظة ، و سأخط الترهات ، و الأمنيات ، و الآهات..

الليلة ، سأتمرد على الوقت و سأعود طفلة تتمنى أن تعبث بأجنحة الجراد بعد أن يفرغ من تناوله أجدادي. سأعيث بمكعبات أخي الصغير فسادًا ، و سأستلقي على الأرض أبكي بجنون و أركل كل شيء حولي ، ثم تأتي.. و يصمتُ كل شيء.. و أسمع صوت أهدابك.. و تتكتل الحمم البركانية بصدري.. و تبرد..

سأتمرد على الوقت ؛ لأنني طفلتك التي تهوى الاختباء في قلبك. طفلتك التي تراك و أنت تجمع قصاصات روحها و تضعها في جيبك. سأتمرد على الوقت ؛ لأنني طفلةٌ مجنونةٌ تريدك أن تنجبها! تراني أعاني عقدة أوديب بنسختها الجديدة؟

أنا طفلةٌ تختبئ خلف صوتِ امرأة..

طعمُ دمعي طفولي..

ضحكتي طفولية.. و انكساراتي طفولية.. و تحدث بكل عفوية!

سأتمرد على الوقت ، و أقول هراءً كثيرًا. إني أسجل ما يثرثر به قلبي دون إدراك و حرص ، أفرغه من كل شيء ، و أبحث بين أغراضه عنك ، عن حكايا ما قبل النوم ، عن الحلوى التي تلقمني إياها ، و عن رسومي المتحركة ، و أصدقائي الخياليين و أنت!

صوتك يشيّع روحي المقتولة بحبك..

يرافقها حتى السماء السابعة..

يداعب خصلات شعرها و هي تجري في بساتين الجنة..

كل شيءٍ يحن إلى صدرك..

قميصك ، و كتبك ، و ملاءات مخدعك ،

و قلبي ، و نبضي ، و دمعي..

أنا أحن إليك..

أنا.. أنا..

أتنفسك..

12 مارس 2012

مها

45148bb4077ba8ce9c3315fa61187a0f-d3j51b4

في مدرستهم الشعبية المهترئة ، سمعوا قصة النهر الذي يبتلع الأطفال السيئين. كانوا بسطاء ، و أنقياء كنقاء الندى بيد أن نهرًا من السماء ابتلعهم ذات حزنٍ و ماتوا و هم يرددون: “هذه نهاية السيئين!”

8 مارس 2012

مها

عن الحب و المطر..

20 ديسمبر 2011

rain_by_kle_m

أنجبتني السماء يومًا مع زخات المطر..

تعلمتُ كيف أتدحرج في وجه زهرة أدغدغها.. و كيف أمتطي نسيمات الهواء دون أن أقلق من ظاهرة الجاذبية الأرضية ، و كيف أنسج من السحب فساتين نورانية تليق بما يتفجر في قلبي ، و كيف أسيل بحنان و عشوائية على نوافذ السيارات فيما يهرعون إلى تجفيفي ، و كيف تنضج روحي على بخار فنجان قهوةٍ يذكرني بلون طقوسك.. أنجبتني السماء مع أبناءها من المطر.. كنت الأخت الشقية الملتوية لحفنة عذبة من قطرات المطر.. لم أكن بمرونة إخوتي أنجرف أينما أقع كنهر مطيع يشق طريقه باستقامة.. كنت أهطل كيفما شئتُ حتى سقيتُ جفاف قلبك مصادفة ، و ترطبت تشققات جدرانه ، فملأتَ كل شيء حولكَ عبقًا و أثملتني ، و آثرتُ الهطول في بقعتك فقط.. حتى أزهر الحب في حديقة أنفاسي.. و أنفاسك..

“أحِبّني بشراسة دون أن تأخذك رحمة بي!”

سأهطل رغماً عن الأصنام الكئيبة في كاثدرائية حبنا.. تهددنا أصابعهم اليابسة ، و يهددني حبك بالإجهاز علي فأستسلم لضعفي بالتذاذ سقيم..

كلما اشتقتُ لك ، هربتُ من أغنيات السماء ، لأن صوتك ينصهر بين سحبها البيضاء المبعثرة. و كلما أمطرَت ، زرعَتكَ في حقول روحي ذاكرة من مطر..

أيا ذاكرة المطر ،

و وجه المطر ،

و لحن المطر ،

أتتسلل إلى أحشائي.. وقت السفر!؟

 

الاثنين

19 ديسمبر 2011

مها

وغدٌ… لطيفْ…

25 سبتمبر 2011

heal_by_29chelizi-d3d8i8m

*~~

ماذا سأكتب عنك في كتب الهوى؟

فهواك لا يكفيه ألف كتاب!*

~

استوت على مقعدها ، و جلست في وضعية مريحة أكثر بعد أن دلكت عنقها قليلاً. ارتدت نظارتها المؤطرة بالأسود العريض ، ارتشفت قليلاً من القهوة ، و طفقت أصابعها تدغدغ لوحة مفاتيح جهازها المحمول :

“صديقي الوغد اللطيف..

من خلف ستار غرفتي ، عشقتُ عينيك كثيراً خفية دون أن تراني.. و كنت أكتب الأشعار في اتساعهما و عمقهما و سحرهما. كنت أراقبك بصمت و أنت تتسكع مع أصدقاءك و صديقاتك و تتبادلون ابتسامات الانبهار بما تخطون من القصص الأدبية ، و الأعمال الدرامية و الرومانسية الرقيقة ، حتى أن إحداهن كادت أن تلتهمك بنظراتها! و كنتَ سعيداً بذلك. تضحك لها ضحكة الإنسان الودود و في داخلك انفجر خزان الإعجاب بالذات! و كنتَ سعيداً لرؤيتك علامات هيمنتك الجذابة على مقلتيها المتلهفتين! كان لصوت ثقافتك دويّ حربٍ عالمية ، كفيلة بتذويب بنات آدم على حد سواء ، و تذويبي بشكل خاص! تعتلي المنصة في الأمسيات الشعرية و تردي الجماهير قتلى بعد أن تفرغ رصاصات إحساسك المحمومة في صدورهم. ولا تمانع إطلاقاً إن تبعتك فتاتان للحصول على توقيعك و التقاط صورة ، و ترحب بهما كثيراً. كنتَ تعرف كم أنت فاتن ، و لطيف! تشعل قلمك بالبلاغة ، و تمزجه بروائح زقاق الحواري في أوروبا العتيقة ، و تكتب في طقس ميتافيزيقي أليم! و كنت أجفف عرقي بمنديل حينما أقرأك ، و كنت أكتم صرخات روحي حينما أقرأك…!

على بعد شباكان متقابلان… نسكن!

لم تفكر يوماً باختلاس نظرة جريئة تسكن عطش حدقتيّ.. لم تفكر يوماً أن تتكئ على حافة شباكك و تمارس التأمل بمخلوقات الله حولك! كل ما كنت تتقن عمله بسرعة هو تعديل ربطة عنقك ، و حمل حقيبة عملك و المغادرة! كنت أسمع صوتك و أنت تغني أحياناً تحت انهمار مياه الاستحمام ، و كان قلبي يغني لك أغنية حزينة لن تسمعها أبداً. لم يسمح لي قلبي يوماً أن أرمي حبي إليك عبر الشباك! أو أن ألقي بنفسي تحت قدميك! ليس حباً سامياً ما يهدر الكرامة الإنسانية.. كان حباً مازوشياً ما يبقي على الكرامة الإنسانية!

و أخذتك الشهور في أحضانها ، و طبعت حب إحداهن على وجهك! و صبت الدمع على وجنتي. لم يكترث بي أحد سوى المطر الذي شرع في الانهمار ذات شتاء. كنتُ أشعر بالبرد ، و كنتَ تلتمس الدفء من أنفاسها..

صديقي الوغد اللطيف.. أشكرك على تسكعك كالجرثومة في دمي طوال الفترة المنصرمة ، فقد اكتسبت مناعة ضد أمثالك بعد أن غادرتَ روحي.. أجل غادرتني.. وضعتك في صندوق مهترىء و تركته على رصيف الحياة. أنت جرحٌ متخثر قشّرته عن بشرتي ، و أضحت الحياة أجمل! فتحت نوافذ حياتي لتغتالها أشعة الشمس و تطهر ما تبقى من ذرات رائحتك! تركت هذا المنزل ، و هذا الحي ، و هذا الشارع ، و ارتحلتُ حيث أعيش بسلام ، ولا أغتسل بصوتك كل صباح حتى لا أصاب بعدوى حبك ثانية.. قد تتساءل من هي هذه الفتاة المجهولة المعتوهة التي ترسل لك بريداً إلكترونياً تفصح فيه عن مشاعرها تجاهك و عن شفاءها من حبك بيد أنني أردت فقط أن أنهي إجراءات حبك و أطلب توقيعك هنا في نهاية هذه الرسالة و أن تردد ورائي : “أنا وغدٌ.. لطيفٌ.. لم أكن أهلاً لما هُدِر من أجلي من حب.. ابتسامتي جميلة.. فاسقٌ مثل زوربا.. أتعهد بعدم العودة للإقامة في هذا القلب.. و عليه أوقع”

أطيب الأمنيات ،

روح جديدة ولدت للتو..

_________________

تمت ،

مها

شجرة مستعملة!

10 أغسطس 2011

The_Tree_1_7_by_JaneDoe87

قالوا له أنها أينعت ،

و قدموها له ليقطف ما يشتهي منها ،

و كانت تتساءل إن كانت بين أيدٍ أمينة ،

و كانت تتساءل إن كانت ستتغذى جيداً

على شمس دفئه ، و ثاني أكسيد كربون

أنفاسه! و حين تعرت من أوراقها الزاهية

الألوان ، لم يعد قادراً على شم عبقها ،

و اقتلعها من تربته بقسوة ، و داسها قليلاً ،

ثم عاد بها إلى بستانها غاضباً صارخاً :

“لم يكن طعمها كما أردت!!”

تمت ،

 

10 أغسطس 2011

مهــــا

سفر…

5 أغسطس 2011

 

Park_Bench_by_squeakachu

كنت أتساءل عن مذاقه..

لطالما تساءلتُ عن مذاقه..

أهو بطعم الفريز الحزين؟

أم بطعم الريش المتساقط

من أجنحة الملائكة؟!

~~~~*

بعد أن فرغت من تناول بوظتها ، قفز جسدها الصغير بحماسة رغبةً في شراء بالونةٍ حمراء. تأففت والدتها من إلحاحها و وهبتها بالونة. على الجهة المقابلة من مكان وقوفهما يوجد مقعدٌ خشبيٌ طويل وسط منتزه. قررتا أن تعبرا الشارع فيما الصغيرة تتأمل منظره. كان جالسًا على طرف المقعد الخشبي بتواضع ، و على وجهه الجميل ابتسامة من يترقب إقبال أحد. كان ساحراً لحدٍ صعُب على الصغيرة أن تفهمه ، فحاولت أن تتجاهله و التفتت إلى طريقها فإذا بصوت عجلات سيارة تنتحب وهي تلعق الإسفلت بخشونة ، و بالونةٍ حمراء تحلق بحرية..

*~~~~

لم يكن مؤلماً..

كان سريعاً و لطيفاً..

كطعم البوظة التي تناولتُها على عجل..

أجل..

كطعم البوظة التي تناولتُها على عجل!

~~

تمت ،

مهـــا

5 أغسطس 2011

*تم الإلهام نتيجة وفاة إحدى المعارف بالأمس. فتاة عشرينية إثر صراع مع المرض. رحمها الله و أسكنها الفردوس و أعان ذويها على فراقها..

La Fille de la Petite Taille

25 يونيو 2011

tumblr_lh16zo9y611qdv413o1_500

السحاب تقضم الشمس كتفاحة ، فتخترقها أشعتها كحد سيفٍ ساطعٍ يتلألأ. و تنزف السحاب شرارة ضوء هرب خلسة عابراً نافذتها ، متسللاً نحو جبهتها ، منسكباً في محجري عينيها فتفتحهما ببطء و تكاسل. تدلك طرف عينيها و هي تمسح على وجهها الوحيد الذي تمتلكه. و تنهض عن سريرها لتتابع طقوسها الصباحية بحسٍ وردي يتفجر في شرايينها. طفقت تعد قهوتها و هي تحدق إلى أصابعها الطويلة ، ثم يسبر ناظراها جسدها الموشوم بهذا الطول الفارع و هذه البنية الضخمة ، و يخيل لها همس المارة الذي يقطر استنكاراً و هي تمشي فتتمنى أن تقتني مظلة تحول دون هطول همساتهم!

يخرجها رنين الهاتف من قفص شرودها الذهني ، و يهديها مقابلة عمل في صباح الغد.

و يأتِ الغد ،

و تدوس على صدر الوقت بكعبٍ قصير ، و خطواتٍ طويلة. ملابسها الرسمية ، و شعرها المربوط إلى الوراء ، و نظرات عينيها يحكون عن جديتها. تتأمل الواجهة الزجاجية الشاسعة أمامها و التي تطل على شارع المدينة المبهرج بألوان السيارات. تجلس بجانبها زميلة تشاركها الانتظار. تسألها :

- كم الساعة؟

- التاسعة و النصف.

- متى سيحين دورنا؟

- لا أدري! (تتأفف صديقتنا سراً)

تظهر السكرتيرة و هي تحمل أوراقاً مشيرة إلى الفتاتين : “تفضلي!”

تقوم الفتاة الثانية ، فتردف السكرتيرة قائلة : “Non, l’autre fille de petite
taille” وهي تشير إلى صديقتنا. تصاب صديقتنا بذهول طفيف ثم لا تلبث أن تقوم و هي تتأمل عامل النظافة و هو يغسل الواجهة الزجاجية بنهم. تدخل غرفة المكتب و يُغلق الباب.

تمت ،

10 يونيو 2011

مهـــــا ،

~~~

ترجمة العنوان : فتاة صغيرة الحجم!

وردة لصديقتي آمال على المساعدة في اللغة الفرنسية : )

تابع

Get every new post delivered to your Inbox.

Join 25 other followers