عزازيل

4 ديسمبر 2011

20111202505

“سأبتهل إليك يا ربّ الليلة ، و أصلي ، و أنام. و قد خلقتني لحكمةٍ خفيةٍ ، كثيرَ الأحلام. فأرسل لي في منامي من فيض كرمك إشارة تنير لي الطريق ، مادامت بشاراتك قد عزّت في صحوي و امتنعت. فإن صرفتني بإشارتك يا إلهي عن الكتابة انصرفتُ ، و إن تركتني لنفسي كتبتُ.. و ما أنا يا إلهي إلا ريشة في مهب ريحٍ ، يمسكها إصبع ضعيف ينوي أن يغمسها في الدواة ، ليخط كل ما وقع معي ، و كل ما جرى و يجري مع أعتى العصاة عزازيل و عبدك الضعيف ، و مرتا.. الرحمة ، الرحمة ، الرحمة.”

من بين أزقة التاريخ تجلى صوت هذا المونولوج و هو يرقص برشاقة مداعبًا روحي بالرغم من آلاف السنين التي منعت التحام روحي بروح كاتب هذه الكلمات إلا أنها التحمت بها بطريقة ما لحظة قرأتها. التاريخ لا يفصل بين الأرواح.. التاريخ يجمعنا.. التاريخ رحيم!

بينما كنت أقلب رقوق البردى التي دوّن فيها الراهب هيبا حياته ، حين كنت أشتم رائحة الحساء الذي يعد في مطابخ الدير ، و أستمع إلى قدّاس الآحاد و ترانيم القديسين ، و أرى شموخ أشجار السرو التي شهدت الخطايا بصمت ، و أتأمل عنفوان بحر الإسكندرية المكلل بالفتنة ، كنت أرقب نفسي ، و أرقب عزازيل!

فيما يتعلق باللاهوت المسيحي ، لم أكن أتوقع أن الاختلافات المذهبية المسيحية هي اختلافات عميقة و جذرية و ليست طفيفة أو فرعية. فكرة صغيرة واحدة كفيلة بتدمير إيمان المرء حين ينشأ صراع بين مذهبين يؤمن أحدهما بـ ناسوت المسيح عليه السلام و “أنه إنسان ظهر لنا الله من خلاله ، و حلّ فيه ، ليجعله بشارة الخلاص و علامة العهد الجديد للإنسانية.” بينما يؤمن المذهب الآخر بـ لاهوت المسيح عليه السلام و أن السيدة مريم العذراء هي والدة الإله ، فيقول من يخالف هذا المعتقد : “لا يصح الاعتقاد بأن مريم العذراء ولدت الله! فالله باق على كماله الأزلي الأبدي ، فهو الواحد الفرد ، لا يولد ولا يموت ، و هو يتجلى حينًا ، و يحتجب أحيانًا بحسب مشيئته.” فهل هي سُنة تاريخية بشرية أن تقاتل المذاهب الدينية بعضها؟ و هل هي سُنة تاريخية بشرية أن يُحكم المتطرفون قبضتهم أحيانًا و ينحرون من يختلف عنهم على مذبح الضلال ؟ أهي رغبة بشرية متعطشة للدماء ، همجية الهوى ، بربرية المتعة ، ضيقة الأفق ، إمعية الاتجاه؟؟! أم أن عزازيل وراء كل حوادث التاريخ ، يوسوس و يضحك على من لا يجيدون ضبط نفوسهم و عقولهم! تمامًا حين تم قتل الفيلسوفة هيباتيا شر قتلة بينما كان عزازيل يضحك على ذلك القطيع المتوحش الذي أضرمت النار في مشاعره..

لذة العزلة و اعترافاتٌ مخضّبة بالخطايا تستوقف النفس لتلقائيتها و عفويتها رغم فظاعتها! بين جدران الصومعة ، في خضم رائحة كوب النعناع الدافئ ، تغوص النفس في أعماقها و تجسد الخطايا حبرًا رطبًا لا يزول بممحاة الأيام. هل استدرج عزازيل الراهب هيبا ليدون مذكراته و يدفنها لعلمه أن المذكرات سيُعثر عليها يومًا و تُقرأ الخبايا و الخطايا و تتجلى الرهبانية المكذوبة؟ أم أن عزازيل كان يسدي الراهب معروفًا و يقوم بدور الكاهن الذي يتلقى اعترافات المذنبين و يخفف عنهم مرارة خطاياهم؟ أم أن عزازيل أراده أن يفضح حقيقة قاتلي الفيلسوفة هيباتيا و لو بعد دهور من الزمن؟ ما الذي يريده عزازيل بالضبط؟ و هل هو عزازيل من ألهمني بكتابة هذه الأسئلة؟ سحقًا لصوتك يا عزازيل.. ابتعد.. ابتعد..

أغلقتُ تلك الصفحة الزمنية و أنا أشتم رائحة الخبز الجاف المرطب بقطرات زيت الزيتون قبل أن يلتهمه القديسون. و فكرت قليلا.. هل يحب التاريخ إعادة نفسه؟

3 ديسمبر 2011

مها

8 تعليقات إلى “عزازيل”


  1. ” أنا عبدك المخلص , الحيران : هيبا الراهب وهيبا الطبيب وهيبا الغريب , على ما يدعونني به الناس في بلاد غربتي ..! وأنت وحدك يا إلهي تعرف إسمي الحقيقي , أنت والناس في بلادي الأولى التي شهدت مولدي .
    ياليتني لم أولد أصلاً , أو ليتني متُّ في طفولتي من دون آثام حتى أضمن عفوك ورحمتك . ”

    *
    ما أزال أتذكّر هذا الدعاء , كانت الدكتوره تغريد , قد نسخته عندما طرحت قراءتها للرواية , وقد عَلِقَ مذ ذلك الحين في ذاكرتي.

    **
    أظنُّكِ .. عانيتِ من لغة يوسف زيدان الشبيهة بلغة ” باولو كهيلو ” ..!
    قد ينأى زيدان بنفسه عن هذه اللغة , وينسبُ عريّها إلى ” عزازيل ” , وقد يقول بأنَّ النصوص , خاصة التأريخية منها , تقتضي أن تنقل بأمانة تامة دونما شطب أو حجب !

    ***
    في الدار الأخرى .. لا أعتقدُ أنَّ من يريد أن يعلق آثامه وذنوبه في رقبة ” عزازيل ” سيجد مكاناً أو قدرة على فعل ذلك , فلا تلك العنق ستحتمل كل تلك الذنوب , ولا القانون هناك سوف يسمح للمرء أن يتنصل من حقيقته وذاته.
    هناك سيفهم الجمع أن ” عزازيل ” كان بدور الطفل الذي يبكي كي يجبر والديه على فعل شيء ما , بإستطاعتهما أن لا يفعلانه !

    ****
    حول المذاهب , الحديث يطول , فكلُّها إلا واحدة , ستجد ” عزازيل ” يقول لأصاحبها هناك , فرداً فرداً ( إني برىء منك إني أخاف الله رب العالمين ).

    مها .. سلمت يداكِ.
    تقديري الكبير جداً.

    • saltytears يقول:

      *
      صدقًا؟
      لم أطلع على تدوينة العزيزة تغريد آنذاك.. لا أدري أين كنت.. اطلعت عليها لحظة كتابتك لهذا التعليق.. الحمدلله أنني أحتفظ بالرابط في قائمة الروابط..

      **
      هممم بالتأكيد عانيت.. أتنسب “لغة العري” إلى كويلو؟
      بالنسبة لي فإني أنسبها إلى ماركيز : )
      ربما كان أمينًا في نقل التفاصيل.. إنه تاريخ يا رجل! : )

      ***
      هي الطبيعة البشرية التي تجعل من الآخر “شماعة” تعلق عليه أخطاءها سواء كان إنسيًا أو شيطانًا.. “عزازيل” يقدم الوسوسة على طبق شهي من ذهب ، و باستخدام العقل هناك من يلتهم الطبق و هناك من يبعده..

      هل أسُرك بأمر؟
      “عزازيل” أحيانًا يلهمني!
      يشعل قريحتي و يلهمني بأشياء لم أكن لأكتبها دون مساعدته..
      لست أتغزل به بقدر ما أنا ممتنة له.. نحصد أحياناً من الأعداء أشياء جميلة؟!
      أعتقد أنني أضعت ما كتبته بعد إلهام عزازيل ، لكنني أذكر تلك اللحظة..

      رحال
      شكرًا جداً..

      مها

  2. hanoof يقول:

    كنتُ أود قرائتها بعد ان نفضت عني غبرة منتصف القرن الثامن عشر
    و الريف الفرنسي .. و طفولة إيما المنقضية في الدير على أيدي راهباتٍ يحذرن من الحب ! و يصادرن الروايات الرومنسية ..

    لا أدري إن كانت إيما تدرك أني أنا أيضًا أتمنى لو أراقص الفايكونت .. و أفعل كل ما أستطيع لأوقعه في حبي .. حتى لو تطلب الأمر أن أمد قدمي و أجعله يتعثر فيها رغمًا عنه !
    فلنأمل أنْ لا يقوم وهو يشتمني !!

    حقًا تمنيت قراءة عزازيل بعد مدام بوفاري مباشرةً
    إلا أن زكريا تامر تأبط ذراعي بأسلوبه الجميل الساخر ..
    و راقصني بين صفحات ” نداء نوح ” تارةً في حارةٍ عتيقة .. و أخرى في قصةٍ تاريخية قديمة جميعنا يعرفها !!
    ثم فعل ما كنت سأفعله بالفايكونت .. مده قدمه و تعثرتُ فيها بدرايةٍ مني
    لأسقط سريعًا في حُب ما يكتب ..

    يجعلني أتعجب .. أضحك .. يدمي قلبي .. و يحرق و جنتي
    أحب كل ما يفعله بي هذا الرجل و أنا أقرأه ..

    لكني سأقرأ عزازيل .. سأقرأها بعد أن تنتهي هذه الأغنية الدمشقية المدعوه زكريا ..

    امتناني الكبير يا مها على هذه المتعة : )

    • saltytears يقول:

      بالنسبة لي سأمرغ نفسي قريبًا بغبار القرن الثامن عشر ، و سأتسكع في حديقة السيد روشستر و أجلس تحت تلك الشجرة أشاهد “جين إير” و هي ترسمه.. و سأحاول منع قلبي من الذوبان.. و كيف أمنعه و قد ذاب أصلاً! بفضل السيد روشستر : ) ذلك الرجل الغامض ، الحاد الطباع ، الذي يقلب كيانها رأسًا على عقب بنظراته.. و يبعثر أنفاسها بكلماته.. قسوته..ضحكاته..غيرته..شغفه..ترهاته..(شفت الفيلم نسخة 2011)

      كم تحمست حقيقة للاستماع إلى هذه الأغنية الدمشقية!
      آمل أن أتأبط ذراعه قريبًا..

      شكراً لعبق حضورك يا جميلة..
      أقحونة

      مها

  3. الحياة متعة يقول:

    جميل هو قراءة التاريخ ،، وجميل هو الاطلاع على ماوراء كواليس المذاهب الأخرى

    الفهم يحثنا على الحقيقة .. ويعمق شعورنا تجاه روحانيتنا

    وبالنسبة للتاريخ فهو خلاصة تجربة نقرأها لنجدها تتكرر .. نقرأها لنستفيد لأنه حتما قد يتكرر

    يبدو لي أن ماقرأتيه ملهما حقا

    شكرا لك

    • saltytears يقول:

      التاريخ لا ينفك عن إعادة نفسه..
      أحيانًا أتساءل..لماذا حدث ذلك؟ أو لماذا لم يحدث؟ أو هل كان سيحدث؟ و أفكر في هيمنة التاريخ على الأحداث سواء فعلنا أم لم نفعل ما يتوجب.. سيحدث.. هل هما القدر و التاريخ عندما يتحدان؟ أم هو القدر فقط؟ أم أن ذلك يحدث بسببنا نحن؟ أسئلة كثيرة أغوص في بحارها بحيرة و لهفة سعيًا لمعرفة الإجابة.. لكن هل يحدث أن تتجلى الإجابة يومًا؟

      غاليتي
      لروحك زهر الأقحوان

      مها

  4. ladyt يقول:

    مها ترى اشتريت نسخة لكِ لكني ماشفتك من وقتها !!
    زعلت انك ما قرأتيها من النسخة الي اشتريتها لكِ
    و فرحت بنفس الوقت بكل المتعة التي نهلتِ منها هالسطور الرائعة
    لكِ أن تصدقي أني ذاكرتي إلتصقت بصفحات هذة الرواية
    بكل مشاهدها ..!! سبحان الله روعة جداً ..
    سعيدة انك وجدتيها كما وجدتها . : )

    • saltytears يقول:

      تبًا لي! :(

      سعيدة بروحك النقية التي تحتضن سطوري بكل محبة و دفء..
      شكراً توتتي الجميلة..

      أقحونة مشربة بالود
      مها


اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s

Follow

Get every new post delivered to your Inbox.