هاربٌ.. من التاريخ!
8 نوفمبر 2011
هذه الحياة كأغنية جزائرية ، تارةً تسيل كقطرات ماءٍ عذب على نوافذ الروح ، و تارةً تكون صاخبةً كقرع الطبول الإفريقية ، تكهرب أوتار القلب ، و تفاجئنا بما هو غير متوقع من النغم الإنساني!
و أكبر دليل على ذلك هو ما رأيته بأم عيني و عشته بوجداني ذلك اليوم.. حين هرب رجلٌ من كتابٍ عن تاريخ شبه الجزيرة العربية.. كنت أجلس في رواق بالقرب من بوابة الخروج في إحدى المستشفيات. و كان يجلس مقابلاً لي على بعد 5 أمتار. تجمد الزمن قليلاً و أفسح مجالا لرياح الصحراء القاسية بالهبوب.. و للرمال الذهبية الناعمة بالتراقص بين قدمي هذا الرجل.. و لملابسه الرثة المصطبغة بالصفرة – لست متأكدة إن كانت الصفرة بفعل التحامه بغبار الصحراء أم لتاريخية الثوب!- بالتجلي لعينيّ و إلقائي في دوامة تخيلات بأني إن نفضتُ ثوبه فهل ستغرق رؤوسنا في سحابة من الغبار؟ و لشماغه الأحمر الذي يلفه بعشوائية بأن يتحدث إن كان احمراره هو دمٌ من جراء ربطه حول الجروح التي قدمتها له العقارب و الأفاعي ، و لبندقية تخيلتها لتتمدد بين ذراعيه لتطرد الذئاب من حول خيمته حين يخيم الظلام ، و لقطيعٍ من الإبل من مختلف الأحجام ، يثملون بأشعة الشمس و يدينون له بحياتهم و لحومهم! و ما بعثر أفكاري أكثر تلك اللحظة..هي ابتسامته!
بعيدًا عن المعتقد الشائع الذي ينص على وجوب قسوة من يسكن البيئة الصحراوية ، و على تطبّعهم بالغلظة و الجفاء ، كان لابتسامته التي تحمل الرضا و كل الرضا في تفاصيلها أعظم التأثير في استغراقي بالتأمل في حال هذه الشخصية التاريخية الهاربة من إحدى قصص التراث! كان يتأمل المكان بعينين هادئتين ، معتادتين على ما ترياه. لم يتوقف ثغره عن التبسم لما يجري حوله. لا أدري لـِمَ شعرتُ أن بعضًا من ابتساماته اختزلت شعوره بالشفقة علينا؟ و لـِمَ لا يشفق علينا و قد أغناه الله بالرضا ، و بالحياة طليقًا في ساحة الصحراء العظيمة ، يمسك قرص الشمس بين إصبعيه مع نسمات الصباح العليلة ، و يملأ رئتيه بهواء الله الطلق ، و يستمع إلى همس الصحراء كما يقول باولو كويلو فتحلو الحياة ، و يقترب درجة من الحكمة! و إن كنت مخطئة و كان من أهل القرى ، فإن النقاء الذي يغلف كل شيء في محيطهم بما في ذلك قلوبهم هو أجمل و أسمى من البذخ الذي أتلف بعض الأرواح..
تخرجني والدتي من رحلتي الذهنية في أرجاء الصحراء بصحبة بدويّ رقيقٍ مبتسم و تخبرني أن علينا الذهاب. فيعود الزمن لمساره ، و ينجرف البشر كشلال صاخبٍ يغطي كل شيء برنين الهواتف الخلوية ، و صراخ الأطفال و هم يلعبون ، و عدو طاقم المستشفى ذهابًا و إيابًا حتى تبتلع الأرض الرخامية كثبان الرمال ، و ينقطع هبوب الرياح الصحراوية إثر هبوب هواء التكييف المركزي البارد ، و يسافر قطيع الإبل عبر لوحةٍ معلقةٍ على الجدار..و تختفي تلك التقاسيم الممزوجة بلون الصحراء و تعود إلى حيث أتت.. إلى صفحةٍ من كتابٍ في التاريخ..
القصة حدثت منذ زمن
و قمت بكتابتها اليوم
أقحونة ،
مها
9 نوفمبر 2011 عند 4:58 ص
” حتى تبتلع الأرض الرخامية كثبان الرمال ، و ينقطع هبوب الرياح الصحراوية إثر هبوب هواء التكييف المركزي البارد ، و يسافر قطيع الإبل عبر لوحةٍ معلقةٍ على الجدار.. و تختفي تلك التقاسيم الممزوجة بلون الصحراء و تعود إلى حيث أتت.. إلى صفحةٍ من كتابٍ في التاريخ.. ” ويسكنُ البدويُّ قلبي ..!
ومن يعطينا خيمة في الصحراء ويأخذ كلَّ المدينة ..؟!!
الكلُّ معتدٌّ بما لديه ولا أحد متفرغ لما لدينا ..!!.
لسانُ حال الهارب من المستقبل ..
جميلة يا مها كعادتك.
تقديري الكبير جداً.
11 نوفمبر 2011 عند 7:53 م
مرحبا رحال ،
في الواقع كلمة “التقاسيم” كانت تعود إلى صديقنا البدوي الذي تلاشى بين الزحام إلى حيث أتى.. إلى تلك الصفحة من كتاب التاريخ.. لكن إن أردته أن يسكن قلبي فلا مانع لدي ، ذلك أن هناك دائما مكان في قلبي للطيبين أمثاله : )
المستقبل بين يدي الله..
“دع المقادير تجري في أعنتها ، ولا تبيتن إلا خالي البال
ما بين غمضة عين و انتباهتها ، يغير الله من حال إلى حال”
رحال
شكراً!
مها
9 نوفمبر 2011 عند 3:43 م
حقيقةً ..
انا سعيدة بضجيج المدن .. أستيقظ على شتائم سائق باص ..
أنام على ضوء عامود إنارة صدئ .. أقع فريسةَ للحب مع رجلٍ يدخن الإرجيلة ..
يجيد قلب الفطائر ! و قلبه مستعدٌ لأن ينبض لألف امرأةٍ بعدي !!
لا أعتقد أني سأبدل كل هذا بلهيب صحراء و حفنة رمال ..
سأبدله ” بضيعة ” و عيشة بسيطة هناك .. !
مها ..
تحليقي معكِ مستمر .. أسعد كل مرةٍ هنا : )
11 نوفمبر 2011 عند 8:00 م
أحب أن أتذوق معك التفاصيل..
حين تعيشين النص ، و تتنفسيه..
سأظل أقطف حرفك من بستان مخيلتك في “ضيعتك” الرقيقة..
كل الود يا رفيقة ،
مها
19 نوفمبر 2011 عند 7:31 م
الرضا جمال وأيما جمال !!
نجده في أولئك البسطاء الذين اغناهم الله بسعة البال وانشراح الخاطر
هم في نعمة عظيمة ،،
أشباه سكان الجنة ..!
شكرا لتلك المشاعر التي غمرتينا بها ،، وتحية لنقاء قلبك
11 ديسمبر 2011 عند 12:11 ص
النقاء أضحى تحفة فريدة من نوعها!
شكراً لعبق روحك الذي يطوقني بدفء…
كل الود : )
مها